ذكرياتي مع السندباد!

بعد مرور أكثر من ستين عاماً مضت، وفي جلسة استرخاء، عاودني الشوق والحنين إلى ذكريات الطفولة الجميلة، وبدأ العقل الباطن في استرجاع مشاهد كأنها فيلم سينمائي أشاهده لوحدي، وتذكَّرت بيتنا القديم المبني من الطين، وأخذت أتجوَّل بداخل الغرف المتناثرة أمام "الحوش" الفسيح وأركب السطح، وهو عالم آخر مملوء بالحكايات والذكريات.,وتذكَّرت "الليوان"، وهو مكاني المفضَّل للجلوس، وعادة يكون بيدي مجلة السندباد، وأتصفحها، وأقرأ وأتعجب وأضحك. وهذه المجلة بالذات يعرفها كل أبناء ذلك الجيل الذي وُلد بداخل السور، وهي مجلة راقية جداً، فأجد فيها القصة، ونوعية القصص ممتازة، نتعلم خلالها المفاهيم والدروس، مثل: الصدق والأمانة والأخلاق ومبدأ الإيثار ونكران الذات ومساعدة الآخرين والشهامة وعزة النفس، إضافة إلى الحِكم والعِبر، ليس ذلك فحسب، فالقصص كتبها أدباء كبار، كي يعلمونا فنون كتابة القصة وطريقة النطق الصحيح. ولا تخلو المجلة من المغامرات والصور الملونة الجميلة.,قرأت بالخط العريض في إحدى أعداد المجلة عنواناً يقول: "سوف أزوركم يا أهل الكويت قريباً".,والحقيقة صدقت وفرحت لزيارة السندباد للكويت، لكن لم يخبرنا عن موعد زيارته، ولعله أرادها أن تكون مفاجأة.,في عام 1958، كان يعمل عند والدي سائق من الجنسية الفلسطينية، اسمه محمود، فسألته أين وكيف سوف يصل السندباد إلى الكويت؟ فقال: أكيد عن طريق البحر من "الفرضة"، وبنفس المكان الذي يذهب إليه والدك لشراء البرسيم (الجت) لبقرتكم، فصدقت كلامة... ومحمود سائق أمين لا يكذب.,وهناك في "الفرضة" القديمة كل يوم أترقب السفن الشراعية وهي تدخل الميناء للرسو، فلمحت على ظهر إحدى السفن شاباً بنفس ملابس السندباد، وحول رأسه عمامة، ويرتدي سروالاً مخططاً، وقُلت في نفسي: أخيراً، وصل السندباد، بعد انتظار طويل.,ولم تكتمل فرحتي، بعد أن سمعت والدي يطلب مني الحضور، بعد أن اشترى غذاء بقرتنا الحلوب.,فقلت: السندباد... السندباد... لقد وصل إلى الكويت.,مسكني والدي من أذني وجرَّني، ولمحت السائق محمود عن بُعد يضحك. وانقلبت فرحتي إلى حزن شديد، وسمعت الوالد يقول: هذا الذي تظن أنه السندباد هو "أهوازي" من العمال الذين يحمِّلون البرسيم (الجت) على ظهور السفن، وسوف أمنعك من قراءة "السندباد". لقد سببَّت لك لوثة عقلية.,رجعت حزيناً، وأخذت أفكر: لماذا يكذب السندباد وهو الذي يعلمنا الصدق؟!,بعد أسبوع صدر عدد جديد من مجلة السندباد، ووجدت بداخله "استطلاعاً مصوراً عن الكويت".,وكلام السندباد صحيح عندما قال في العدد السابق: "سوف أزوركم يا أهل الكويت قريباً"، فهو لم يكذب.,د. عادل محمد العبدالمغني

ذكرياتي مع السندباد!
بعد مرور أكثر من ستين عاماً مضت، وفي جلسة استرخاء، عاودني الشوق والحنين إلى ذكريات الطفولة الجميلة، وبدأ العقل الباطن في استرجاع مشاهد كأنها فيلم سينمائي أشاهده لوحدي، وتذكَّرت بيتنا القديم المبني من الطين، وأخذت أتجوَّل بداخل الغرف المتناثرة أمام "الحوش" الفسيح وأركب السطح، وهو عالم آخر مملوء بالحكايات والذكريات.,وتذكَّرت "الليوان"، وهو مكاني المفضَّل للجلوس، وعادة يكون بيدي مجلة السندباد، وأتصفحها، وأقرأ وأتعجب وأضحك. وهذه المجلة بالذات يعرفها كل أبناء ذلك الجيل الذي وُلد بداخل السور، وهي مجلة راقية جداً، فأجد فيها القصة، ونوعية القصص ممتازة، نتعلم خلالها المفاهيم والدروس، مثل: الصدق والأمانة والأخلاق ومبدأ الإيثار ونكران الذات ومساعدة الآخرين والشهامة وعزة النفس، إضافة إلى الحِكم والعِبر، ليس ذلك فحسب، فالقصص كتبها أدباء كبار، كي يعلمونا فنون كتابة القصة وطريقة النطق الصحيح. ولا تخلو المجلة من المغامرات والصور الملونة الجميلة.,قرأت بالخط العريض في إحدى أعداد المجلة عنواناً يقول: "سوف أزوركم يا أهل الكويت قريباً".,والحقيقة صدقت وفرحت لزيارة السندباد للكويت، لكن لم يخبرنا عن موعد زيارته، ولعله أرادها أن تكون مفاجأة.,في عام 1958، كان يعمل عند والدي سائق من الجنسية الفلسطينية، اسمه محمود، فسألته أين وكيف سوف يصل السندباد إلى الكويت؟ فقال: أكيد عن طريق البحر من "الفرضة"، وبنفس المكان الذي يذهب إليه والدك لشراء البرسيم (الجت) لبقرتكم، فصدقت كلامة... ومحمود سائق أمين لا يكذب.,وهناك في "الفرضة" القديمة كل يوم أترقب السفن الشراعية وهي تدخل الميناء للرسو، فلمحت على ظهر إحدى السفن شاباً بنفس ملابس السندباد، وحول رأسه عمامة، ويرتدي سروالاً مخططاً، وقُلت في نفسي: أخيراً، وصل السندباد، بعد انتظار طويل.,ولم تكتمل فرحتي، بعد أن سمعت والدي يطلب مني الحضور، بعد أن اشترى غذاء بقرتنا الحلوب.,فقلت: السندباد... السندباد... لقد وصل إلى الكويت.,مسكني والدي من أذني وجرَّني، ولمحت السائق محمود عن بُعد يضحك. وانقلبت فرحتي إلى حزن شديد، وسمعت الوالد يقول: هذا الذي تظن أنه السندباد هو "أهوازي" من العمال الذين يحمِّلون البرسيم (الجت) على ظهور السفن، وسوف أمنعك من قراءة "السندباد". لقد سببَّت لك لوثة عقلية.,رجعت حزيناً، وأخذت أفكر: لماذا يكذب السندباد وهو الذي يعلمنا الصدق؟!,بعد أسبوع صدر عدد جديد من مجلة السندباد، ووجدت بداخله "استطلاعاً مصوراً عن الكويت".,وكلام السندباد صحيح عندما قال في العدد السابق: "سوف أزوركم يا أهل الكويت قريباً"، فهو لم يكذب.,

د. عادل محمد العبدالمغني